السبت، 19 سبتمبر 2026

تأويل قوله تعالى: (لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا)

 قال تعالى في سورة الحجّ: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)

قوله: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ) أي: المسلمين بمكّة، الذين قاتلهم مشركو قريش على الإسلام.

وقوله: (بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) أي: أن سبب إذن الله تعالى لهم بقتال المشركين، أن المشركون ظلموهم، بمحاولة إخراجهم من الإسلام، وإعادتهم إلى الشرك والكفر، أو قتلهم.

وقوله: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ) أي: أخرجهم المشركون من بلادهم وهم مكرهين، فارّين بدينهم، فمنهم من ذهب إلى بلاد الحَبَشَة، ومنهم من هاجر إلى المدينة النبويَّة، ولم يكن للمشركين حقٌ في إخراجهم من بلدهم مكّة.

إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ

أي: أن سبب إخراج المشركين للمسلمين من بلدهم مكة، هو إيمان المسلمين بربهم وتوحيدهم لهم، ونبذهم للشرك، وهذا ظلم من المشركين، لأن المشركين هم الذين على الباطل، وكان يجب أن يطيعوا المسلمين، ويسلموا مثلهم، ويوحدوا الله، وينبذوا الأوثان والأصنام، ويتوبوا من الشرك.

وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ

أي: أن الله أذن للمسلمين بقتال من يقاتلهم من المشركين، وهذا هو دفع الناس بالناس، ودفع المشركين بالمسلمين، لحماية دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ولولا أن الله أذن لهم في ذلك، لوقعة مفاسد عظيمة على الدين.

لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا

أي: لولا أن الله تعالى أذن للمسلمين بقتال الكفار ودفعهم عنهم بالقوّة، لقام المشركون بهدم دين الإسلام، وكنّى عن ذلك، بهدم دور العبادة، التي يُقيم فيها المسلمون عبادتهم.

والصوامع، جمع صَوْمَعَة، وهي بيت صغير للعبادة يتخذه المسلم لنفسه وحده، ليس معه غيره.

والبِيَع، جمع بَيْعَة، وهي بيت أكبر من الصومعة، يتخذه عِدَّة أفرادٍ للعبادة، وهو دون المسجد في السعة والمساحة.

والصَلَوات، هي ما نسميه اليوم: "المُصَلَّيات" ومفردها: مُصَلَّى، وهي تشبه البيعة في السعة والمساحة، ولكنها توضع على طُرُقات ليقيم سالكوا الطرقات فيها الصلاة عندما يحين وقتها.

والمساجد، جمع مسجِد، وهي بيوت العبادة الكبيرة، التي يجتمع فيها الناس لصلاة الجُمُعَة.

وكان المسلمون من اليهود والنصارى يطلقون الصوامع والبِيَع والصلوات على دور العبادة الخاصة بهم، فورث ذلك عنهم، من انحرف عن دينهم وسلك غير سبيلهم ممن ينتسب إلى دينهم، وإنما عنا الله تعالى بذلك دور عبادة المسلمين منهم فقط، وأما دور عبادة لملحدين والمشركين منهم، فليست داخلة في هذه الآية، ولا هي مقصودة بها، لأن معابد المنحرفين من أهل الكتاب، هي معابد وثنيَّة كغيرها من المعابد الوثنيَّة.

وأما المسلمون، فيطلقون على بيوت عبادتهم: المُصلَّيات، للبيوت الصغيرة، سواء كانت على الطرق أم كانت في وسط القرى، والمساجد، للبيوت الكبيرة.

وعندي أن مسلمي أهل الكتاب، كانوا يطلقون على بيوت العبادة الكبيرة، مساجد أيضا.

والله أعلم.

الخميس، 4 يونيو 2026

رأيي في آية الوصيَّة للوالدين والأقربين

وهو أن آية الوصية للوالدين والأقربين، ليست منسوخة، بل هي محكمة، وأن المراد بالوالدين في الآية الكريمة، الجدّ والجدَّة، من قِبل الأب أو الأمّ، لأنهما والدان أيضاً، بل إن الجدّ والجدّة ولدا الموصي مرّتان، مرة بولادتهما لأبيه وأمّه، ومرة بولادة ابيه وأمه له، 

فالجدّ والجدّة يحجبان بالأبّ والأمّ، وهما أحق الناس بمال حفيدهما بلا شكّ، من غيرهما، فإذا توفى الابن وليس له أب ولا أم، وله جد وجدة من قبل أبيه، وجدّ وجدة من قبل أمه، فجدّاه من قبل أبيه، يأخذان نصيب الأب، وجدّاه من قِبل الأم يأخذان نصيب الأم، للذكر مثل حظ الأنثيين، فيأخذ الجد، ضعف ما تأخذ الجدة. 

ولكن في حياة الأب والأم، لا يكون للجد والجدّة شيء، ولا للأقارب أيضاً، فأمر الله تبارك وتعالى بالوصية لهم، سواء كانوا أحياءاً جميعاً أو بعضهم.

ثم بيَّن النبي صلى الله عليه وسلَّم، أن الوصيَّة، إنما تكون في ثلث المال فقط. 

الأحد، 19 مايو 2024

تفسير قولھ تعالى: (من بين الصلب والترائب)

قال تعالى في سورة الطارق: {فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ (5) خُلِقَ مِن مَّاءٍ دَافِقٍ (6) يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (7)}

التفسير: هذه الآية مما اختلف المفسّرون في تأويلها، ففمنهم من يقول: المراد بذلك صلب الرجل وترائب المرأة، ثم يتأولون الترائب بموضع القلادة من نحر المرأة، وبعضهم يقول: من بين صلب الرجل وترائبه، أي: نحره، ومنهم من يقول: المراد بذلك القلب، لأنه عصارة قلب الرجل والمرأة، والقلب يقع بين صلب الرجل وترائبه، وصلب المرأة وترائبها.
وحتى نعرف تأويل الآية الصحيح، يجب علينا أن نفهم معاني الكلمات الواردة في الآيات، الفهم الصحيح، فأكثر المفسّرين متقدّمين ومتأخرين، يأخذون بالمشتهر من معاني الألفاظ بين الناس، دون النظر في ما تحتمله الكلمة من معانٍ أخرى، تعرفها العرب من كلامها، فيبني تأويله للآية، على المشهور من المعاني فقط.
فقوله: "الصلب" أي: الظهر، والمراد به هنا: العمود الفِقري للرجل والمرأة.
وقوله: "والترائب". الترائب جمع ومفرده تريب وتريبه، والتريب في اللغة، هو العديل والمساوي والمثيل والكفْ والندّ. وعند العرب، كل شيئين أو أكثر تساويا في صفة، فهما تريبان وأتراب وترائب فيما تساويا فيه من الصفات.
يدل على هذا المعنى، قوله تعالى في سورة الواقعة: {عُرُبًا أَتْرَابًا} أي: متساويات في السِن والجمال. فعند العرب، العينان تريبتان، والأذنان تريبتان، واليدان تريبتان، والترقوتان تريبتان، والثديان تريبان، والرجلان تريبتان، وهكذا.
ونحن إذا نظرنا إلى الموضع الذي يتدفّق منه ماء الرجل والمرأة، وجدنا أنه ينبع من الأجهزة التناسلية، وهذه الأجهزة، موضعها بين الصلب، الذي هو الظهر، الذي هو العمود الفِقري، وبين الرجلين، فدلّ هذا، على أن المراد بالترائب في الآية الكريمة، هما: الرجلان.
وقد أشار إلى ذلك الطبري في تفسيره، فقد روى عن ابن عباس رضي الله عنه، أنه قال في تأويل هذه الآية: "فالترائب أطراف الرجل واليدان والرجلان والعينان، فتلك الترائب". وروى عن الضحّاك أنه قال: "الترائب: اليدان والرجلان".
وزعم بعضهم، أن الرجل يستمد غذاء ماءه من ظهره، وأن المرأة تستمد غذاء مائها من صدرها، فزعموا أن الآية إنما تشير إلى مصدر غذاء ماء الرجل والمرأة، ولكن الآية، إنما تشير إلى الموضع الذي يتدفّق منه الماء، لا إلى مصدر غذائه، فترجّح أن القول بأن الترائب في الآية يراد بها الرجلان، أصحّ.
والله أعلم وأحكم.

الجمع بين آيتين ظاھرھما التعارض

قال تعالى في سورة الصافات:{فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (143) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ (144)

وتفسيرها: أنه لولا أن يونس عليه السلام كان من المسبحين، لسجنه الله في بطن الحوت إلى يوم القيامة.

وقال تعالى في سورة القلم: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُن كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَىٰ وَهُوَ مَكْظُومٌ (48) لَّوْلَا أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (49) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (50)}

وتفسيرها: أنه حتى لو كان يونس عليه السلام من المسبحين، فقد يكون هذا سببا في العفو عنه من السجن في بطن الحوت إلى يوم القيامة، ولكن لن يكون سببا في رضى الله عنه، فقد يأمر الله تعالى الحوت بإلقائه وهو مذموم على ما قام به، وقد ينزع الله منه ما أكرمه به من النبوة، وخصَّه به من القربى، فيكون كآحاد الناس، ليس له قدر عند الله تعالى كما كان سابقا، ولكن الله تعالى أنعم عليه مرة أخرى بعد إنعامه عليه بالعفو عنه من السجن في بطن الحوت، بأن اجتباه وقربه ولم ينزع عنه ما أكرمه به من النبوة.

والله أعلم وأحكم.

الأحد، 7 مايو 2023

تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِیَنفِرُوا۟ كَاۤفَّةࣰۚ﴾ [التوبة]

قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِیَنفِرُوا۟ كَاۤفَّةࣰۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةࣲ مِّنۡهُمۡ طَاۤىِٕفَةࣱ لِّیَتَفَقَّهُوا۟ فِی ٱلدِّینِ وَلِیُنذِرُوا۟ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوۤا۟ إِلَیۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ یَحۡذَرُونَ﴾ [التوبة]

والنَفْر، هو: التباعد.

يقال: نَفَر القوم، أي: تباعدوا. ونفرت الدابة، أي: تباعدت.

لذلك قيل لمن خرج عن قومه أو قريته: نَفَر. أي: تباعد عن قومه وقريته.

فمعنى قوله تعالى: ﴿لِیَنفِرُوا۟ كَاۤفَّةࣰۚ﴾ [التوبة] أي: ليتباعدوا كلهم. والمراد بالتباعد هنا، هو التباعد عن القوم والقرية للغزو والقتال في سبيل الله.

فتأويل الآية: ما كان المؤمنون لينفروا كافة للغزو والقتال في سبيل الله، بل ينفر منهم طائفة لذلك، وينفر طائفة أخرى، ليطلبوا العلم ويتفقهوا في دينهم، ليعلموا قومهم وينذرونهم ما حرم الله عليهم، فلا يقعوا في سخط الله تعالى من حيث لا يشعرون، فيحذرون من ذلك.

فأهل المدينة ينفر منهم طائفة إلى الجهاد في سبيل الله، وطائفة لطلب العلم والتفقه في الدين، وكذلك سائر القبائل والقرى، ينفر منهم طائفة للقتال في سبيل الله، وفرقة لطلب العلم والتفقه في الدين.

هذا ما تفيده الآية بكل وضوح، وأما ما عدا ذلك من تأويلات فهي تأويلات مرجوحة.

وطلب العلم الشرعي النافع، يقتصر على قراءة القرآن والأحاديث النبوية وتدارس معانيها، وفق لغة العرب، الصحيحة الصريحة، والابتعاد عن تلك الكتب التي يسمونها: الكتب الدينية، التي أحدثها المحدثون.

والله أعلم وأحكم.

تأويل قوله تعالى: (وَیَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ) وقوله تعالى: (مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَـٰهٍ غَیۡرِی)

قال تعالى: ﴿وَقَالَ ٱلۡمَلَأُ مِن قَوۡمِ فِرۡعَوۡنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوۡمَهُۥ لِیُفۡسِدُوا۟ فِی ٱلۡأَرۡضِ وَیَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبۡنَاۤءَهُمۡ وَنَسۡتَحۡیِۦ نِسَاۤءَهُمۡ وَإِنَّا فَوۡقَهُمۡ قَـٰهِرُونَ﴾ [الأعراف ١٢٧]

قلت: فكأن الآية تشير إلى أن فرعون كان قد اتّخذ له إلهاً يعبده.

وقال تعالى: ﴿وَقَالَ فِرۡعَوۡنُ یَـٰۤأَیُّهَا ٱلۡمَلَأُ مَا عَلِمۡتُ لَكُم مِّنۡ إِلَـٰهٍ غَیۡرِی فَأَوۡقِدۡ لِی یَـٰهَـٰمَـٰنُ عَلَى ٱلطِّینِ فَٱجۡعَل لِّی صَرۡحࣰا لَّعَلِّیۤ أَطَّلِعُ إِلَىٰۤ إِلَـٰهِ مُوسَىٰ وَإِنِّی لَأَظُنُّهُۥ مِنَ ٱلۡكَـٰذِبِینَ﴾ [القصص ٣٨]

قلت: وهذه الآية تفيد بأن فرعون لم يكن يدين بالعبودية للأوثان، بل إنه جعل من نفسه إلهاً يعبد.

والجمع بين الآيتين متيسّرٌ ولله الحمد.

فإن فرعون لعنه الله من أهل مصر، وأهل مصر كانوا يعبدون الشمس، والأصنام، ولكون فرعون من أهل مصر، فما يجري عليهم يجري عليه اسما أو حكما.

وهذا مثل ما نقول عن اليهود المبدلين لكتاب الله بأنهم يهود، مع أنهم ليسوا على اليهودية التي جاء بها موسى عليه السلام، ولكنهم لما انتسبوا إليهم، استحقوا هذا الاسم دون الحكم.

وإنما اشتق اسم ملة موسى اليهودية، من الهَود، وهو الأوب، وهو الرجوع، والمراد به هنا: الرجوع من المعصية إلى الطاعة.

قال تعالى مخبراً عن موسى عليه السلام: ﴿وَٱكۡتُبۡ لَنَا فِی هَـٰذِهِ ٱلدُّنۡیَا حَسَنَةࣰ وَفِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ إِنَّا هُدۡنَاۤ إِلَیۡكَۚ﴾ [الأعراف ١٥٦] أي: أُبنا إليك.

فلأن أهل مصر اتخذوا من الشمس والأصنام، آلهة يعبدونها من دون الله تعالى، قيل بأنها آلهة لفرعون، كونه من أهل مصر.

وهذا مثل ما وصف الله تعالى به اليهود من أنهم قتلت الأنبياء، مع أنهم جميعاً لم يقتلوهم، بل قتلهم أسلافهم، وإنما لكونهم سائرون على طريق أسلافهم في الغواية، استحقوا هذا الوصف اسما لا حكما.

فكذلك فرعون، لما كان سائراً على طريقة أسلافه في الكفر والوثنيّة، استحق أن توصف آلهة قومه، بأنها آلهة له، اسماً لا حكما، لأنه في الحقيقة لم يعبدها، كما يظهر من الآية، بل إنه أسقطها ونصّب نفسه إلهاً لأهل مصر بدلاً عنها.

لذلك قال الله تعالى: ﴿وَیَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَۚ﴾ أي: يذرك فلم يعبدك كونك نصّبت نفسك إلهاً لأهل مصر، ويذر آلهة قومك، فلم يعبد ما عبده أسلافك وأهل بلدك من الآلهة، وجاء بعبادة إله لا نعرفه.

والله أعلم وأحكم.

تأويل قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ) .. الآيات

تأويل قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8)) [الفجر]

اختلف المفسرون في تأويل قوله تعالى: (إرم ذات العماد) على أقوال عديدة:

القول الأول: أن إرم اسم أبٍ من آباء عاد، وأخذوا هذا القول مما ورد في كتب أهل الكتاب، حيث ورد فيها: أن سام بن نوح، أعقب خمسة بنين، أحدهم يدعى: أرام. فرجّحوا أن يكون أرام خطأ في الترجمة، وأن صوابه: إرم، ثم أرادوا الجمع بين عاد وإرم، فلم يجدوا إلّا أن يقولوا: بأن عاد بن إرم.

ولكن أهل الكتاب ذكروا في كتبهم، أن أراماً هذا، أعقب أربعة بنين، وهم: عوص، وحول وجاثر وماش. ولم يذكروا أن لأرام ولد اسمه: عاد! وهنا يأتي دور القصّاص، الذين لهم دور بارز في اختلاق الأنساب والوقائع، ليزعموا لنا، بأن عاد بن عوص بن أرام – الذي هي عند أصحاب هذا القول: إرم - بن سام بن نوح! وهو نسب كما يظهر مكذوب.

لذلك قالوا في تفسير قوله تعالى: (ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد) بأن الضمير في قوله: "ذات" وقوله: "التي لم يخلق مثلها" عائد إلى هذه القبيلة، التي تدعى: إرم، ثم اختلفوا في تأويل هذه الآية على قولين:

الأول: أن معناها أن أفرادها متّصفون بأنهم ذوو العماد، والتي فسّروها بأن المراد بها أنهم ذوو طول فارع، وأنهم لم يخلق مثلهم في البلاد، في طولهم وجسامتهم، أخذوا ذلك من قول العرب: رجل طويلُ العِماد، إِذا كان مُعْمَداً، أي: طويلاً.

والثاني: أن معناها، أنهم أهل خيام، والخيام تقوم على العمد، أي: أنهم أهل حِلٍّ وترحال، كما تقول العرب عن أهل الخيام: أهل عِمَاد، وأهل عَمَد.

والثالث: أن معناها، أنهم أهل مجد وشرف، والعرب تقول: فلان رفيعُ العِمادِ؛ يريدون بذلك عِمادَ بيتِ شرفه، والعرب تضع البيت موضع الشرف في النسب والحسب.

وشذّ أخرون من أصحاب هذا القول، فقالوا: بأن إرم بن عاد، وأنه أشرف بطن في عاد! ولا أعلم لمن قال بذلك، دليل يعوّل عليه!

والعجيب أن محمد بن جرير الطبري، رجّح هذا القول، حيث قال في تفسيره: "وأشبه الأقوال فيه بالصواب عندي أنها اسم قبيلة من عاد، ولذلك جاءت القراءة بترك إضافة عاد إليها، وترك إجرائها، كما يقال: ألم تر ما فعل ربك بتميم نهشل؟ فيترك إجراء نهشل، وهي قبيلة، فترك إجراؤها لذلك، وهي في موضع خفض بالردّ على تميم، ولو كانت إرم اسم بلدة، أو اسم جدّ لعاد لجاءت القراءة بإضافة عاد إليها، كما يقال: هذا عمروُ زبيدٍ وحاتمُ طيء، وأعشى هَمْدانَ، ولكنها اسم قبيلة منها فيما أرى" اهـ

وهذا الذي قاله، خطأ فاحش، لأسباب:

أولها: أن العرب لا تقول: تميم نهشل. بل تقول: نهشل تميم. للتمّييز بينها وبين ما يشبهها في الاسم من البطون الأخرى في القبائل الأخرى. ولا أدري من أين جاء الطبري بأن العرب تقول: تميم نهشل! ولكن لا يستغرب هذا من كتب اللغة، إذا علمنا أن أكثر من ألفها، هم من الأعاجم، وكثير منهم يرضخ من رأسه، ويؤلف كلاما للعرب لا تعرفه!

وثانيها: أن احتجاجه بقول العرب: حاتم طيء، على أن العرب تقول: تميم نهشل، باطل، لأن قول العرب: حاتم طيء، يصحّ أن يكون مثالاً على قول العرب: نهشل تميم، وليس العكس! لأن العرب تريد أن تميّز حاتماً عن غيره ممن يحمل نفس الاسم من الرجال المنتمين إلى القبائل الأخرى، بكونه حاتم طيء، مثلما أن العرب، تريد أن تميّز نهشل تميمٍ، عن غيره ممن يحمل نفس الاسم من البطون، بكونه نهشل تميم.

القول الثاني: أن المراد بـ "إرم" أي: القديمة، أخذوا ذلك من قول العرب: أرم، أي: لحقه البلاء، كما تقول العرب: أرمّت عظامه. أي: بليت.

القول الثالث: أن المراد بـ "إرم" أي: الهالكة، أخذوا ذلك من قول العرب: أرِم بنو فلان. أي: هلكوا.

ومراد أصحاب القولين الثالث والرابع، أن قوله (إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد) هو وصف لعاد، ومضاف إليه، فهي: قبيلة أو مدينة قديمة هالكة، كانت ذات مجد وشرف، ولم يخلق مثلها في البلاد، قوةً وشجاعةً وربما طولاً وضخامةً في أجسامهم.

القول الرابع: أن إرم اسم مدينة، وهؤلاء يفسرون قوله تعالى: (ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد) بأنه وصف لإرم، التي هي عندهم مدينة، أي: إرم المدينة ذات البناء الرفيع. والعرب تصف الأبنية الرفيعة، بالعِماد. والواحدة عمادة.

وقد يكون قوله تعالى: (ذات العماد) المراد به، ذات المجد والشرف، فالعرب يصفون المدينة بذلك، كناية عن أن أهلها أهل مجد وشرف.

وربما كانت عاد اسم قبيلة ومدينة في آنٍ معاً، لأنه عرف عن العرب قديماً، أنهم قد يطلقون أسماء قبيلتهم على مدينتهم، فتحمل مدينتهم اسم قبيلتهم، وعلى هذا فإرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، هو وصف لعاد القبيلة والمدينة.

إلا أن أصحاب هذا القول، تخبّطوا في تحديد مكان هذه المدينة، فبعضهم قال: هي دمشق. وبعضهم قال: هي الإسكندريّة. وبعضهم قال بأنها مدينة كانت بالرمال الواقعة جنوب الجزيرة العربية، بين حضرموت وعمان، وتعرف بالرملة، ولا أعلم أن أحداً من أصحاب هذه الأقوال، جاء بدليل بيّن على ما يدعيه، إنما هم يظنون ظناً، والظن لا يغني من الحق شيئا.

والراجح من هذه الأقوال، أن الوصف المذكور في الآية، يراد به مدينة، كانت قبيلة عاد تتخذها عاصمة لها، سواء كان اسم هذه المدينة عاد أو كان اسمها إرم، وقد بيّنت سابقاً أن القول بأن إرم اسم قبيلة، قولٌ ضعيف، يُرْغب عنه.

وزيادةً على ذلك، فإن في القرآن العظيم، ما يرجّح أنها مدينة، هو قوله تعالى: (أتبنون بكل ريع آية تعبثون) من البناء، أي: أن عاد كانوا قوماً حاذقون في بناء الأبنية، فإذا نظرنا في هذه الآية، وتمعنّا في قوله تعالى: (ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد) ترجّح عندنا أن ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد، هي وصف لمدينة، بناها قوم حاذقون في بناء الأبنية.

فيكون معنى قوله تعالى: (ألم ترى كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد) أي: ألم ترى كيف فعل ربك بمدينة عاد إرم ذات العماد. أو قد يكون معناها: ألم ترى كيف فعل ربك بقبيلة عاد الذين يقيمون بمدينة إرم ذات العماد. كل هذه المعاني واردة.

والله وحده أعلم بالصواب.