قال تعالى في سورة الحجّ: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)
قوله: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ) أي: المسلمين بمكّة، الذين قاتلهم مشركو قريش على الإسلام.
وقوله: (بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا) أي: أن سبب إذن الله تعالى لهم بقتال المشركين، أن المشركون ظلموهم، بمحاولة إخراجهم من الإسلام، وإعادتهم إلى الشرك والكفر، أو قتلهم.
وقوله: (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ) أي: أخرجهم المشركون من بلادهم وهم مكرهين، فارّين بدينهم، فمنهم من ذهب إلى بلاد الحَبَشَة، ومنهم من هاجر إلى المدينة النبويَّة، ولم يكن للمشركين حقٌ في إخراجهم من بلدهم مكّة.
إِلَّا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ
أي: أن سبب إخراج المشركين للمسلمين من بلدهم مكة، هو إيمان المسلمين بربهم وتوحيدهم لهم، ونبذهم للشرك، وهذا ظلم من المشركين، لأن المشركين هم الذين على الباطل، وكان يجب أن يطيعوا المسلمين، ويسلموا مثلهم، ويوحدوا الله، وينبذوا الأوثان والأصنام، ويتوبوا من الشرك.
وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ
أي: أن الله أذن للمسلمين بقتال من يقاتلهم من المشركين، وهذا هو دفع الناس بالناس، ودفع المشركين بالمسلمين، لحماية دينهم وأنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ولولا أن الله أذن لهم في ذلك، لوقعة مفاسد عظيمة على الدين.
لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا
أي: لولا أن الله تعالى أذن للمسلمين بقتال الكفار ودفعهم عنهم بالقوّة، لقام المشركون بهدم دين الإسلام، وكنّى عن ذلك، بهدم دور العبادة، التي يُقيم فيها المسلمون عبادتهم.
والصوامع، جمع صَوْمَعَة، وهي بيت صغير للعبادة يتخذه المسلم لنفسه وحده، ليس معه غيره.
والبِيَع، جمع بَيْعَة، وهي بيت أكبر من الصومعة، يتخذه عِدَّة أفرادٍ للعبادة، وهو دون المسجد في السعة والمساحة.
والصَلَوات، هي ما نسميه اليوم: "المُصَلَّيات" ومفردها: مُصَلَّى، وهي تشبه البيعة في السعة والمساحة، ولكنها توضع على طُرُقات ليقيم سالكوا الطرقات فيها الصلاة عندما يحين وقتها.
والمساجد، جمع مسجِد، وهي بيوت العبادة الكبيرة، التي يجتمع فيها الناس لصلاة الجُمُعَة.
وكان المسلمون من اليهود والنصارى يطلقون الصوامع والبِيَع والصلوات على دور العبادة الخاصة بهم، فورث ذلك عنهم، من انحرف عن دينهم وسلك غير سبيلهم ممن ينتسب إلى دينهم، وإنما عنا الله تعالى بذلك دور عبادة المسلمين منهم فقط، وأما دور عبادة لملحدين والمشركين منهم، فليست داخلة في هذه الآية، ولا هي مقصودة بها، لأن معابد المنحرفين من أهل الكتاب، هي معابد وثنيَّة كغيرها من المعابد الوثنيَّة.
وأما المسلمون، فيطلقون على بيوت عبادتهم: المُصلَّيات، للبيوت الصغيرة، سواء كانت على الطرق أم كانت في وسط القرى، والمساجد، للبيوت الكبيرة.
وعندي أن مسلمي أهل الكتاب، كانوا يطلقون على بيوت العبادة الكبيرة، مساجد أيضا.
والله أعلم.